RSS

نظرة إلى الماضي

09 يونيو

في الأيام السابقة كنت أقوم بإعادة أرشفة ما لدي من ملفات ووثائق قديمها وجديدها فعثرت على هذه المحاضرة القصيرة وهي أول محاضرة ألقيها في تجمع من الحضور وكانت العام 1999 في المركز الثقافي بمدينتي تلكلخ التابعة لمحافظة حمص في القطر العربي السوري، بصراحة لقد دغدغت مشاعري حين أعدت قراءتها بعد كل هذا الزمن خصوصا طريقة حديثي عن الإنترنت في فترة لم أكن أعلم بها على الإطلاق أنها ستكون مجال إختصاصي بعد بضع سنوات، لذا وددت مشاركتها مع الجميع ثانية عبر هذه المدونة، وفيما يلي نصها:

بداية سأعتمد مدخلا غريبا لكنه كما سنتبين لاحقا مفيد في توضيح موضوع محاضرتنا، ومدخلي هذا هو مناقشة أصل تسمية هذه الآلة والسبب الكامن وراء تلك التسمية، فنحن أهل المشرق العربي نطلق تسمية الحاسب أو أحيانا الصيغة المشددة من أسم الفاعل “الحاسوب” مرتكزين إلى أصل التسمية في اللغة الإنجليزية Computer، المشتقة بدورها من الفعل Compute أي يحسب، وبذلك تكون القدرات الحسابية لهذه الآلة هي التي استرعت انتباهنا، هذه القدرات الحسابية التي لا يمكن الاستهانة بها على الإطلاق، فعلى سبيل المثال يستطيع حاسب شخصي عادي أن ينجز من العمليات الحسابية في ثانية واحدة ما يحتاج إلى 57 سنة من الحساب اليدوي المتواصل بمعدل عملية حسابية واحدة كل ثانية ولمدة 16 ساعة عمل يومية!؟ ، والأمور تتجه نحو التطور والزيـــادة باستمرار بمعدل ثابت تقريبـــا قدره 200%  كل 18 شهر، ويطلق على هذا القانون بقانون مور نسبة إلى العالم الذي كان أول من لاحظ هذه العلاقة.

أما أشقاؤنا في المغرب العربي فيسمون هذه الآلة بالنظّامة وذلك ترجمة عن الفرنسية Ordinator وتعني الآلة التي تقوم بالتنظيم ” للمعلومات”، حيث ينقلون دائرة الضوء إلى قدرات هذه الآلة الهائلة في تخزين واسترجاع المعلومات، حيث تستطيع الحصول على حاسب شخصي بسعة ذاكرة كافية لتخزين 20 مليار حرف، ولو كانت هذه الأحرف مصفوفة في كتب ووضعنا تلك الكتب فوق بعضها البعض، لحصلنا على عمود من الكتب يبلغ ارتفاعه 380 مترا، أي بعلو ناطحة سحاب شاهقة.

طبعا في النهاية فإن هذه الآلة هي مزيج من هذا وذاك، على الرغم من أن الأمور لم تكن بهذا الإشراق منتصف القرن الماضي، فأول حاسب إلكتروني ENICE بني عام 1946 وقد كان يحوي 18000 صمام وبلغ وزنه 30 طن، وقد تعمدت ذكر كلمة إلكتروني تحديدا نظرا لكون فكرة الحاسوب غير مرتبطة بالإلكترونيات دوما، ففي عام 1832 بنى تشارلز باباج حاسوب ميكانيكي يعتمد المسننات والروافع في عمله.

على كل حال يحتاج الحاسوب إلى طرفيات ليتعامل مع محيطه، وتقسم تلك الطرفيات إلى فئتين أدوات إدخال وأخرى للإخراج، ففي الحاسوب الشخصي لدينا العديد من أجهزة الإدخال منها لوحة المفاتيح و الفأرة و القرص الليزري و الماسحة و المايكروفون وغيرها، وكذلك فيه العديد من أدوات الإخراج مثل الشاشة والطابعة والمجاهير الخ …

في حين أننا لو ألقينا نظرة على حاسوب آخر مثل ذلك المستخدم في الغسالة الحديثة المبرمجة “وهو حاسوب بالمعنى الكامل للكلمة”، لرأينا أجهزة إدخاله عبارة عن حساس درجة الحرارة وكمية الماء الخ.. ، أما أدوات الإخراج فهي أجهزة التحكم في محرك التنشيف و مضخة إخراج الماء الخ ..

كذلك وفي مثال ثالث هناك الحاسوب الذي يتحكم بصاروخ ينطلق إلى هدفه، فأدوات الإدخال هي حساسات للتسارع والموقع والارتفاع والاتجاه الخ.. ، أما أدوات الإخراج فهي تتحكم بجنيحات توجيه الصاروخ وصاعق التفجير الخ..

وهكذا يمكننا أن نرى أن الحاسوب هو عبارة عن آلة متعددة الاستخدامات، فالعتاد “وهي تسمية تطلق على المكونات المادية للحاسوب” هو في الأمثلة الثلاث متشابه لا يختلف بعضها عن بعض بشكل جوهري على الإطلاق، إنما تتفاوت مقدراته الحسابية والتخزينية كل بحسب حاجته، أما من يحدد العمل الذي يقوم به الحاسوب الآن فهو البرنامج، فمنظومة الحاسوب دون برنامج تعمل عليه تقف ككتلة صامتة دون فائدة، فإن كان البرنامج الذي تقوم بتشغيله على حاسوبك هو لعبة فهذا يؤدي بالنتيجة إلى اعتبار منظومة الحاسوب بكاملها على أنها لعبة، لكن عندما تنهي تشغيل برنامج اللعبة وتشغل عوضا عنه برنامج للأرشفة يصبح ذات الحاسوب الذي كان منذ دقائق لعبة يصبح مركزا للأرشفة واستعادة المعلومات، فإن أغلقته لتعرض فلم فيديو يصبح ذات الحاسوب منصة ترفيه منزلية، وهكذا دواليك.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن برامج الحاسوب هي بشكل أو بآخر نقل لخبرة المبرمج إلى المستخدم، فهي تخزين واستخدام للأفكار، وبالتالي فما يلقّن للحاسوب في البداية يخرج عنه فيما بعد، فإن أدخلت إليه ترَّهات فلن تحصل إلا على الترَّهات، ولكنها تخرج هذه المرّة عن آلة غالية الثمن بدلا عنك!؟

لقد بدأت رحلة الحاسوب كطاحونة للأرقام والحسابات، ثم تحول الدور الرئيسي لهذه الآلة في سبعينيات القرن الماضي إلى تخزين المعلومات والولوج إليها، لكنه مع منتصف التسعينيات بدأ استخدام الحاسوب يأخذ بعدا جديدا بعيدا عن قدرات الحساب أو التخزين، ألا وهو الاتصال، والذي يظهر بأبهى صوره في شبكة الإنترنت، والتي يجدر أن يقال عن ثورتها بأنها عودة الإنسان إلى الكهف ثانية، وموضوع الإنترنت هو موضوع طويل شيق يستأهل أن نتطرق إليه في محاضرة أخرى.

 
 

الأوسمة:

One response to “نظرة إلى الماضي

  1. كريم سيد

    10 يونيو 2010 at 7:39 مساءً

    محاضره رائعه
    لكنها تحتاج إلى الكثير من التفكير فى محتوى معنايها، فرغم قدمها إلا أنها توضح لنا ثوابت يجب وضعها فى عين الاعتبار عن مفهوم الحاسب الذى أصبح الآن أداة للترفيه ليس إلا وطبعاً لا يدرك إمكانياته العملاقه إلا من صنعه
    أنتظر محاضره الإنترنت لأنها بلاشك ستمدنى بمحتوى أجهله

     

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: